هل يمكن لعملية عسكرية أحادية تنفذها الولايات المتحدة ضد رئيس شرعي لدولة أجنبية أن تُعد إعلاناً لبداية مرحلة جديدة في السياسة الدولية، مرحلة تُستبدل فيها شرعية القانون بشرعية القوة، وتتحول فيها سيادة الدول إلى متغير خاضع لحسابات الجدوى الجيوسياسية.
العملية العسكرية الأميركية في فنزويلا، التي انتهت بالقبض الخاطف على الرئيس نيكولاس مادورو، لم تكن مجرد خبر صادم، بل تحولت إلى خط فاصل يؤشر إلى لحظة فقد فيها القانون الدولي قدرته على كبح القوة. خلف الاسم البراق «Midnight Hammer» يختبئ عمل استعراضي جيوسياسي محكم، يقوم على حساب بارد لا يقتصر على البعد العسكري، بل يمتد إلى الرمزية السياسية الصرفة.
وسائل الإعلام الأميركية، من بينها نيويورك تايمز وسي إن إن وABC News، وصفت العملية بأنها غير مسبوقة من حيث الدقة، نفذتها وحدة النخبة «دلتا» بمشاركة وكالة الاستخبارات المركزية ووزارة العدل الأميركية. ووفقاً لرئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين، استمر الإعداد عدة أشهر، شمل مراقبة مادورو، جمع المعلومات الاستخبارية، واختبار الجاهزية اللوجستية والتنسيق بين الأفرع العسكرية منذ أواخر الصيف. كل شيء كان جاهزاً مع حلول ديسمبر، ولم يبق سوى انتظار الظروف الجوية المثالية. الأمر الرئاسي من دونالد ترامب صدر ليلة الثالث من ديسمبر عند الساعة العاشرة وست وأربعين دقيقة بتوقيت الساحل الشرقي.
في الوقت نفسه أقلعت من عشرين قاعدة عسكرية نحو مئة وخمسين طائرة ومسيّرة. من حاملة طائرات في البحر الكاريبي انطلقت مروحيات تقل مجموعة الاقتحام، ضمت عناصر من «دلتا» إضافة إلى ممثلين عن وزارة العدل، كان من المقرر أن يوجهوا للرئيس الفنزويلي اتهامات بالإرهاب المرتبط بالمخدرات. حلقت المروحيات على ارتفاع ثلاثين متراً فوق سطح الماء، تحت حماية الطائرات المسيّرة والطيران الحربي. الدفاعات الجوية الفنزويلية التزمت الصمت. عند الساعة الثانية ودقيقة واحدة بتوقيت كاراكاس وصلت المروحيات إلى مقر إقامة مادورو. بعد دقائق جرى اعتقاله مع زوجته سيليا فلوريس، التي كانت نائمة في إحدى غرف القصر. عند الثالثة وتسع وعشرين دقيقة بتوقيت واشنطن عادت المروحيات إلى حاملة الطائرات «إيوو جيما». العملية بأكملها لم تستغرق أكثر من خمس ساعات.
ترامب وصف العملية لاحقاً بأنها «باهرة»، وقال إن «أميركا أظهرت مجدداً من هو السيد هنا». عند تلك اللحظة بات واضحاً أن الولايات المتحدة عادت نهائياً إلى عقيدة مونرو، ولكن بصيغة معدلة تحمل بصمة ترامب. لم تعد سياسة احتواء، بل فرضاً سافراً لمنطق القوة.
بعض المصادر، بينها مدونة Simplicius التحليلية، تشير إلى أن مادورو استسلم عملياً مسبقاً مقابل ضمانات تتعلق بسلامته الشخصية والحفاظ على جزء من أصوله. رواية أخرى تتحدث عن خيانة داخلية. أفراد من دائرته الضيقة وجنرالات غارقون في شبكات الفساد جرى شراؤهم أو تجنيدهم من قبل الاستخبارات الأميركية. هذا التواطؤ سمح بتنفيذ العملية من دون مقاومة. لم تطلق أي بطارية دفاع جوي صاروخاً، وآلاف العناصر التي كان مادورو يتغنى بها بقيت في المخازن. كاراكاس تابعت المشهد كما لو أنه مقتطع من فيلم هوليوودي، ببرود وذهول في آن واحد.
بحسب نيويورك تايمز، لعب مصدر داخل الحكومة الفنزويلية دوراً حاسماً، إذ وفر لوكالة الاستخبارات معلومات آنية ضمنت دقة الاقتحام. يرجح أن يكون ضابطاً رفيع المستوى حصل مقابل ذلك على ضمانات بالسرية ومكافأة مالية كبيرة، علماً أن الجائزة التي رُصدت سابقاً لمن يدلي بمعلومات تقود إلى اعتقال مادورو بلغت خمسين مليون دولار.
وراء واجهة الانتصار تكمن دلالة أعمق. اعتقال رئيس دولة أجنبية من دون تفويض من الكونغرس الأميركي أو مجلس الأمن الدولي يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي. غير أن واشنطن تجاوزت هذه الحدود منذ زمن. حجة «مكافحة إرهاب المخدرات» ليست سوى إعادة إنتاج لسيناريو قديم. كما برر جورج بوش غزو العراق بالبحث عن أسلحة كيميائية، يبرر ترامب اليوم خطف مادورو بذريعة حماية العالم من شبكات المخدرات.
من منظور قانوني بحت، ما جرى هو عملية خطف دولة مكتملة الأركان، نفذتها قوات مسلحة وعلى مرأى من العالم. إذا لم تترتب على هذا الفعل عواقب دولية، فإن ذلك يعني أن عصر السيادة قد انتهى فعلاً.
ثمة بعد آخر لا يقل أهمية. يبدو أن الولايات المتحدة تحركت أيضاً بدافع السيطرة على الموارد. فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم يقدر بثلاثمئة وثلاثة مليارات برميل. إلا أن الإنتاج تراجع إلى ثلث مستواه قبل عقد من الزمن. بعد تأميم الأصول النفطية في عهد هوغو تشافيز فقدت الشركات الغربية نفوذها، ويبدو أن ساعة الانتقام قد حانت. شركة شيفرون حصلت بالفعل على «ترخيص خاص» لمواصلة نشاطها، والبيت الأبيض لا يخفي رغبته في إعادة الشركات الأميركية إلى كاراكاس.
اقتصادياً، تبدو العملية بمثابة تأسيس لقاعدة إعادة تشغيل البنية التحتية النفطية تحت إشراف أميركي. المصافي الأميركية في الجنوب تحتاج تحديداً إلى الخام الفنزويلي الثقيل، وعدم الاستقرار السياسي يوفر ذريعة للتدخل تحت عناوين «المساعدة التقنية» و«إعادة إعمار قطاع الطاقة».
في المقابل، يجري تجاهل التداعيات القانونية. اعتقال مادورو تم من دون موافقة الكونغرس، ما يشكل خرقاً للدستور الأميركي. محامون معارضون وصفوا ما حدث بأنه «إحياء لملكية شخصية للرئيس»، حيث يقرر من تلقاء نفسه من هو المجرم ومن يجب اختطافه.
في مؤتمر صحافي عقده في مارالاغو، رد ترامب ببساطة قائلاً: أنا رئيس الولايات المتحدة، وهذا يكفي. هذه العبارة، التي قيلت بثقة متعالية، دخلت التاريخ رمزاً لواقع سياسي جديد، واقع لم تعد فيه أميركا بحاجة إلى تبريرات.
حالياً، يقبع مادورو وزوجته في الولايات المتحدة بانتظار محاكمتهما في الدائرة الجنوبية لنيويورك. وُجهت إليه اتهامات بالاتجار بالمخدرات والأسلحة والمشاركة في شبكة إجرامية دولية. النيابة الأميركية تبني ملفها على واقعة قديمة تعود إلى عام 2015، حين أُلقي القبض على اثنين من أقارب سيليا فلوريس وبحوزتهما ثمانمئة كيلوغرام من الكوكايين. هذا هو الدليل الوحيد الذي يربط الرئيس مباشرة بتجارة المخدرات، لكنه تحول بيد وزارة العدل إلى أداة للعدالة السياسية.
الإعلام الأميركي يصف سيليا فلوريس بأنها «الكاردينال الرمادي» للنظام البوليفاري. كانت في السابق محامية لتشافيز، ثم ترأست الجمعية الوطنية، وبعدها حكمت البلاد فعلياً إلى جانب زوجها. اعتقالها يحمل دلالة رمزية، فهو اعتقال لمرحلة التشافيزية بأكملها ومحاولة لتصفية الأيديولوجيا القائمة على العداء للولايات المتحدة.
أما داخل فنزويلا، فالصمت يخيّم. وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز دعا إلى «الهدوء»، وديوسدادو كابييو ظهر مرتدياً درعاً واقياً في شوارع كاراكاس معلناً أن «البلاد تحت السيطرة الكاملة». الدفاع الجوي صامت، والجيش لم يغادر ثكناته. المعنى واضح، مادورو سُلّم من الداخل.
نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز، بحسب روايات متضاربة، إما بقيت في كاراكاس أو فرت إلى موسكو. رويترز تؤكد وجودها في روسيا، فيما بقي شقيقها، رئيس الجمعية الوطنية، في فنزويلا. عملياً، انتقلت السلطة مؤقتاً إلى أيدي العسكريين. تتشكل في البلاد هيئة حكم انتقالية تجمع كابييو ورودريغيز وبادرينو، لكل منهم نطاق نفوذ محدد، الاقتصاد، الأجهزة الأمنية، والجيش. والجميع يدرك أن مصير مادورو رسالة تحذير.
العملية الأميركية الخاطفة والجريئة باعتقال نيكولاس مادورو لم تكن مجرد نجاح عسكري، بل أصبحت رمزاً لعصر جديد، عصر لم يعد فيه القانون الدولي درعاً للضعفاء، وعادت فيه القوة لتكون الحجة الوحيدة التي تُحترم. في أقل من ثلاثين دقيقة أنجزت وحدة «دلتا» بدعم الاستخبارات والقوات الجوية والبحرية مهمة كانت ستستغرق أسابيع في زمن آخر.
أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب على العملية اسم «المطرقة منتصف الليل». وكانت بالفعل مطرقة سقطت على كاراكاس بدقة جراحية. أكثر من مئة وخمسين طائرة ومسيّرة أقلعت في آن واحد من عشرين قاعدة عسكرية، فيما حلّقت مروحيات MH-47 Chinook، التي انطلقت من حاملة طائرات في البحر الكاريبي، في سماء فنزويلا الليلية كما لو أنها تحلّق فوق أرض أميركية خالصة. لم تُطلق أي صواريخ دفاع جوي، ولم تفتح أي بطارية نيرانها. خمسة آلاف من «النسور» التي تباهى بها مادورو على شاشات التلفزة التزموا الصمت. لم يصدر أمر واحد بإطلاق النار.
هذا الصمت يقول أكثر مما تقوله كل البيانات الرسمية. العملية إما نُفذت في ظل تخريب كامل من جانب الجيش الفنزويلي، أو بموافقته الضمنية. الاحتمال الأقرب أن تفاهمات مباشرة جرت بين واشنطن وبعض جنرالات كاراكاس، أولئك الذين راكموا ثرواتهم لعقود من تهريب الذهب والوقود والكوكايين، وكانوا يبحثون عن مكان لهم في أي معادلة جديدة. لم يكن هناك أي شكل من أشكال المقاومة البطولية. الأميركيون دخلوا عاصمة نائمة كما لو أنها ديكور مُعدّ سلفاً لعرض انتصارهم.
وفق المعطيات الرسمية، جرى اعتقال نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس داخل غرفة نومهما. سي إن إن وABC News أكدتا أن الرئيس كان نائماً عندما اقتحمت قوة «دلتا» مقر الإقامة. بعد ساعات قليلة نُقل رئيس الدولة الأسير إلى حاملة الطائرات «إيوو جيما»، ومنها إلى نيويورك. وفي الصباح أعلن ترامب أن «الديكتاتور مادورو» سيُحاكم بتهم تتعلق بالمشاركة في شبكات دولية لتجارة المخدرات.
هذه اللحظة لم تكن وليدة الصدفة. ملف الاتهام ضد مادورو موجود منذ عام 2020، عندما أعلنت وزارة العدل الأميركية عن مكافأة قدرها خمسون مليون دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى اعتقاله. يومها لم تشمل التهم زوجته. اليوم باتت هي أيضاً تحت الملاحقة. وفي ذلك دلالة سياسية واضحة. فلوريس، التي كانت أول امرأة ترأس الجمعية الوطنية، ومحامية النظام، وأحد العقول المؤسسة لـ«الثورة البوليفارية»، تحولت أمام القضاء الأميركي إلى دليل إدانة مركزي. اعتقالها هو اعتقال لمرحلة تشافيز بأكملها.
الإعلام الفنزويلي، ومن بعده الغربي، يكرر رواية ارتباط عائلة مادورو بما يسمى «كارتيل الشمس». لكن هذه القصة أقرب إلى الأسطورة. أصلها يعود إلى تسعينيات القرن الماضي، عقب فضيحة تورط فيها جنرالان من الحرس الوطني اتهمتهما الاستخبارات الأميركية بالعمل في تهريب الكوكايين. الواقع أبسط وأكثر قسوة. لا يوجد كارتيل مركزي منظم، بل مئات الشبكات الصغيرة داخل البنية العسكرية، كل واحدة تسيطر على مسار تهريب خاص بها. وهذه الشبكات نفسها هي التي باعت رئيسها في اللحظة الحاسمة.
بعد إسقاط رأس النظام، بقي سؤال السلطة معلقاً. الدستور ينص على انتقال الحكم إلى نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز. لكن بعد ساعات من الاقتحام أفادت رويترز بأنها في موسكو. الخارجية الروسية نفت، لكنها لم تظهر في كاراكاس. وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز وديوسدادو كابييو خرجا على الشاشات داعين إلى الهدوء، من دون كلمة واحدة عن مقاومة أو مواجهة. الجيش بقي في ثكناته. الشارع راقب ببرود.
وعندما سُئل ترامب عمّن سيحكم فنزويلا الآن، أجاب بكلمة واحدة: أنا. لم تكن زلة لسان. كانت صيغة جديدة للنظام الدولي، تعلن فيها واشنطن مجدداً أنها مركز القرار في نصف الكرة الغربي.
البعد الاقتصادي لا يقل وضوحاً. فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم، يتجاوز ثلاثمئة مليار برميل. لكن الإنتاج انهار، والبنية التحتية دُمّرت، وشركة PDVSA تحولت إلى إقطاعية مغلقة بيد الجنرالات. ترامب لا يخفي ضيقه. حديثه عن «النفط الأميركي المسروق» تعبير سياسي، لكن خلفه هدف عملي محدد: استعادة السيطرة على الحقول التي أممها هوغو تشافيز عام 2007.
الشركات الأميركية كانت تستعد لهذا السيناريو منذ سنوات. شيفرون، الوحيدة التي حافظت على موطئ قدم لها، ستكون اللاعب الأساسي. إكسون، هاليبرتون، وكونوكو فيليبس تتهيأ للعودة. نعم، الأسواق العالمية تغيرت، ونعم، الطلب على النفط سيتراجع في ثلاثينيات هذا القرن، لكن ما يهم ترامب ليس الحسابات الاقتصادية بل الرأسمال الرمزي: إثبات أن أميركا لا تزال قادرة على أخذ ما تريد.
هناك أيضاً البعد الديمغرافي. منذ مطلع الألفية غادر أكثر من ثمانية ملايين فنزويلي بلادهم، مئات الآلاف استقروا في الولايات المتحدة. موجات الهجرة التي فاقمت التوترات الاجتماعية داخل أميركا يستخدمها ترامب لتبرير العملية. «مكافحة إرهاب المخدرات» و«وقف الهجرة غير الشرعية» يندمجان في خطاب واحد.
لكن الهدف الأعمق هو الرسالة. رسالة إلى الصين وروسيا وكوبا. كاراكاس كانت لسنوات حليفاً لبكين وموسكو، تزودهما بالنفط والمعادن النادرة. هذا المسار أُغلق الآن. وفي الوقت نفسه تصل الإشارة إلى هافانا: الدور قد يأتي عليكم. وهذه المرة لن يكون هناك اتحاد سوفياتي لينقذكم.
عملية «المطرقة منتصف الليل» كانت بالنسبة لترامب تحفة سياسية شخصية. كان بحاجة إلى إنجاز خارجي، خصوصاً في ظل الأزمة الأوكرانية الممتدة وغياب اختراقات دبلوماسية حقيقية. حتى الديمقراطيون في الداخل، وهم يدينون «انتهاك القانون الدولي»، اضطروا للاعتراف بأن العملية نُفذت بإتقان كامل. لا خسائر. الهدف تحقق. شعبية الرئيس ترتفع. والعالم، كما يعتقد ترامب، لا يحترم إلا القوة.
فنزويلا اليوم محمية. لن يحتل الأميركيون البلاد، لكنهم سيديرون اقتصادها عبر موظفين معيّنين. الجنرالات الذين احتفظوا بمواقعهم سيتعاونون. المعارضة، بقيادة ماريا كورينا ماتشادو، ستحصل على دور شكلي في «المرحلة الانتقالية». وبعد أشهر ستُنظم انتخابات تكرّس الواقع الجديد.
رد فعل موسكو كان متوقعاً. لا بيانات نارية، ورئيسة RT مارغريتا سيمونيان اكتفت بتعليق ساخر على وسائل التواصل، مقتبسة عبارة منسوبة لستالين: «سنحسدكم يا رفيق بيريا». بالفعل، في أوساط قومية روسية كثيرة، يُنظر إلى العملية الأميركية بشيء من الغيرة: هكذا كان ينبغي أن نتصرف في فبراير 2022.
هذه هي أخلاق العصر الجديد: المنتصر لا يُحاكم. والعالم، مهما تغطى بشعاراته الجميلة، لا يزال يخضع لهذه القاعدة وحدها. السيادة صارت وهماً، القانون ديكوراً، والأخلاق سلعة قابلة للتصدير. وترامب، بأسلوبه الفج والفجائي، لم يفعل سوى نزع القناع الأخير عن نفاق مرحلة «التدخلات الليبرالية». لم يخترع العنف، بل أعاده إلى السياسة كأمر طبيعي.
وحين تعود المروحيات التي تحمل الأعلام الأميركية للتحليق فوق كاراكاس، يصبح واضحاً أن العالم القديم انتهى فعلاً. بدأ زمن لم يعد فيه مفهوم «القانون» منفصلاً عن مفهوم «النصر».
اللافت هو رد الفعل الأخلاقي العالمي. أوروبا «تعرب عن القلق»، الصين «تدعو إلى الاستقرار»، روسيا «تبدي انزعاجها». كما في غزو العراق، يتصرف العالم وكأن شيئاً استثنائياً لم يحدث. لكنه حدث. دولة ذات سيادة تعرضت لهجوم مسلح، ورئيسها خُطف ونُقل عبر المحيط. إن لم يكن هذا حرباً، فما هي الحرب إذن.
الأكثر فجاجة هو تصفيق أنصار ترامب. يعجبهم «التهور» و«الرجولة السياسية»، ويرون فيه بطلاً. لكن من يبرر خطف رئيس دولة عليه أن يبرر خطف أي إنسان في أي مكان. لا يمكن قبول الفوضى في حالة ورفضها في أخرى. إذا صار القانون أداة بيد الأقوى، فهو لم يعد قانوناً، بل تعسفاً.
العالم دخل نهائياً مرحلة ما بعد السيادة، حيث الحدود وهم، والقوة عملة الشرعية الجديدة. والمفارقة أن ذلك ليس تقدماً، بل عودة إلى القرن التاسع عشر، ولكن بطائرات مسيّرة ومؤتمرات صحافية. العملية الأميركية في فنزويلا ليست سوى مقدمة لعالم بلا قواعد، يمكن فيه قطع رأس أي دولة في ليلة واحدة.
يبقى السؤال: إلى متى ستواصل بقية الدول التظاهر بأن شيئاً لم يحدث. ربما ليس طويلاً. فالسابقـة وُجدت، ولا رجعة عنها.
من «سابقة بنما» إلى «العقيدة الفنزويلية».
عملية «المطرقة منتصف الليل»، التي نفذت خلالها قوات النخبة الأميركية اعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، تمثل نقطة تحول في الممارسة الخارجية للولايات المتحدة. شكلياً هي عملية خاطفة عالية التقنية، تجسد تزاوجاً نادراً بين القوة العسكرية، والاندماج الاستخباري، والحساب السياسي الدقيق.
أما في جوهرها، فهي عودة صريحة إلى زمن التدخلات المباشرة، حين كانت «الأنظمة المعادية» تُزال من دون تفويض من مجلس الأمن ومن دون المرور عبر المؤسسات الدولية.
المقارنة مع عملية إسقاط مانويل نورييغا في بنما عام 1989 تكاد تكون حتمية. لكن بخلاف حقبة الحرب الباردة، تأتي هذه الخطوة في سياق أوسع، إذ تحولت إلى مختبر لتطبيق نسخة محدثة من «الملحق الترامبي» لعقيدة مونرو، التي تكرس حق الولايات المتحدة في التدخل العسكري داخل نصف الكرة الغربي بذريعة حماية «الأمن والديمقراطية» وفق تعريفها الخاص.
لمنطق المؤسسي للعملية.
بحسب تصريح رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية الجنرال دان كاين، جرى الإعداد للعملية على مدى عدة أشهر. شارك فيها أكثر من مئة وخمسين وسيلة طيران، من بينها طائرات مسيّرة استراتيجية شبحية وطيران قتالي انطلق من عشرين قاعدة عسكرية أميركية. ما يميز هذه المهمة ليس حجم القوة فحسب، بل طبيعتها المركبة، إذ جرى دمج العناصر القتالية والاستخبارية والقانونية في آن واحد. فقد ضمت مجموعة الاقتحام ممثلين عن وزارة العدل الأميركية، ما أتاح توفير غطاء شكلي لاعتقال مادورو وفقاً للتشريع الأميركي.
هذا النموذج يعكس تطور مفهوم فرض الولاية القضائية خارج الحدود الوطنية، أي تطبيق القانون الأميركي خارج الإقليم السيادي للولايات المتحدة. هذه الممارسة استُخدمت سابقاً حصراً ضد أفراد مصنفين كإرهابيين، كما في عملية تصفية أسامة بن لادن، لكنها للمرة الأولى تُوجَّه مباشرة ضد رئيس دولة يتمتع بسيادة معترف بها دولياً.
ووفقاً لصحيفة نيويورك تايمز، لعب عميل لوكالة الاستخبارات المركزية داخل الحكومة الفنزويلية دوراً حاسماً في إنجاح العملية. ذلك يؤكد فعالية نموذج التعاون السري، حيث تتحول النخب الداخلية في الدولة المستهدفة إلى أداة ضغط خارجي. هذا المنهج ليس جديداً، إذ تعود جذوره إلى تجارب خمسينيات وسبعينيات القرن الماضي، من إيران عام 1953 إلى تشيلي عام 1973، لكنه في العصر الرقمي بات مدمجاً بأنظمة مراقبة شاملة وتحليل بيانات متقدم، ما يجعل التدخل أقل وضوحاً وأكثر صعوبة في الطعن أو المواجهة.
المعضلة الجيوسياسية والقانونية.
من زاوية القانون الدولي، تشكل عملية «المطرقة منتصف الليل» انتهاكاً مباشراً للمادة الثانية الفقرة الرابعة من ميثاق الأمم المتحدة، التي تحظر التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة. غياب تفويض من مجلس الأمن وعدم وجود موافقة من الكونغرس الأميركي عمّقا فراغاً قانونياً، عوّضه ترامب بخطاب سياسي يقوم على ذريعة «مكافحة إرهاب المخدرات».
خبراء قانونيون يرون أن هذه اللغة تعيد النظام الدولي إلى منطق «العقوبة الاستباقية»، بما يعني عملياً نسف مبدأ عدم التدخل. وكما أظهر تقرير صادر عن مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي عام 2024، فإن مثل هذه الأفعال تقوض استقرار القواعد الدولية وتؤسس لما يسمى بيئة ما بعد القانونية، حيث تصبح الفعالية هي المصدر الأساسي للشرعية.
التوازي مع العراق عام 2003 واضح. يومها كان المبرر هو أسلحة الدمار الشامل، واليوم هو «الناركوتيرور». في الحالتين استخدمت الولايات المتحدة خليطاً من التبرير القانوني والأخلاقي لتحويل القوة العسكرية إلى أداة للهيمنة الرمزية.
الأجندة الخفية والدوافع الاقتصادية.
رغم الخطاب المعلن حول «استعادة الديمقراطية»، تحمل العملية بعداً اقتصادياً لا يمكن تجاهله. فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم يقدر بثلاثمئة وثلاثة مليارات برميل، لكن إنتاجها تراجع إلى نحو ثمانمئة وستين ألف برميل يومياً، أي أقل من ثلث مستواه قبل عشر سنوات.
واشنطن لا تخفي نيتها استعادة السيطرة على الأصول الاستراتيجية التي جرى تأميمها في عهد هوغو تشافيز. إدارة ترامب أجرت بالفعل مشاورات مع شركات نفطية كبرى مثل شيفرون وإكسون وهاليبرتون بشأن فرص إعادة الاستثمار في القطاع النفطي الفنزويلي. ورغم تحفظ الشركات في تصريحاتها العلنية، فإن مجرد عقد هذه المشاورات يكشف عن استعداد مبكر لإدارة موارد البلاد في مرحلة ما بعد الأزمة.
جيو اقتصادياً، تعيد العملية تثبيت ما يمكن تسميته بالإسقاط الطاقوي الأميركي في الحوض الكاريبي، عبر تعزيز التحكم في تدفقات النفط الثقيل، الذي يتلاءم بشكل مثالي مع مصافي التكرير في لويزيانا وتكساس.
البنية الداخلية لتغيير النظام.
طبيعة رد فعل النخب الفنزويلية، من غياب أي مقاومة، إلى الاستسلام السريع لحرس الرئيس، وصمت الدفاعات الجوية، تشير إلى تنسيق داخلي مسبق. الأرجح أن ما جرى كان خيانة داخلية اتخذت شكلاً مؤسسياً أقرب إلى صفقة انتقال.
وفق تقديرات محللي مجموعة الأزمات الدولية، فإن الجيش الفنزويلي تحول منذ سنوات إلى تكتل مصالح متشظية، حيث يسيطر كل جنرال على شبكته الخاصة من التهريب والعوائد غير المشروعة. في هذا السياق، لم يعد مادورو مركز توازن للنظام، بل أصبح عبئاً زائداً عن الحاجة. تسليمه لم يكن نتيجة هزيمة عسكرية، بل حصيلة إعادة توزيع للسلطة الاقتصادية داخل النظام نفسه.
في أعقاب العملية، تشكل في كاراكاس واقع أقرب إلى مجلس عسكري مدني غير معلن يضم ديلسي رودريغيز وديوسدادو كابييو وفلاديمير بادرينو لوبيز. لكل منهم قاعدة نفوذ محددة، الاقتصاد، الأجهزة الأمنية، والجيش. هذا الترتيب يفتح المجال أمام نموذج انتقال مضبوط، تستند استقراريته إلى موافقة أميركية صامتة.
صيغة جديدة للنظام العالمي وتأثير ترامب.
العملية العسكرية الأميركية في فنزويلا لا تمثل حدثاً إقليمياً معزولاً، بل تعكس تحولاً بنيوياً في النظام الدولي، من نموذج التدخل الليبرالي إلى واقعية براغماتية صلبة، حيث تتحول الأخلاق والقانون إلى مجرد ديكور سياسي.
إعلان دونالد ترامب عن ما يشبه «تصحيحاً» خاصاً لعقيدة مونرو، أو ما بات يعرف بـTrump Corollary، يكرس عملياً احتكار الولايات المتحدة لشرعية استخدام القوة في نصف الكرة الغربي. بخلاف تدخلات حقبة جورج بوش الابن، لا يقوم هذا التوجه على أيديولوجيا، بل على إمبريالية وظيفية، ترى في القوة أداة لإدارة الأزمات الإقليمية لا أكثر.
من هذا المنظور، لا تبدو «المطرقة منتصف الليل» استثناءً، بل مقدمة لنموذج قادم، تُستبدل فيه فكرة التوافق بفكرة الإنجاز، ويتراجع فيه القانون الدولي لصالح ما يمكن تسميته بحق القوة الإقليمي.
سابقة الدولة ما بعد السيادة.
من منظور نظري في العلاقات الدولية، تتحول فنزويلا بعد اعتقال مادورو إلى كيان ما بعد سيادي. الدولة باقية شكلياً، لكن وظائف السيطرة الأساسية، العسكرية والمالية والقانونية، انتقلت فعلياً إلى وصاية خارجية.
هذا النموذج يذكّر ببدايات أنظمة الحماية الاستعمارية في أواخر القرن التاسع عشر، مع فارق أساسي، إذ لا يجري عبر احتلال مباشر، بل من خلال إدارة رقمية وقانونية عن بعد. التدفقات المالية الفنزويلية تخضع لرقابة أميركية عبر العقوبات والبنية الدولارية. النخب تُضبط عبر عقوبات فردية وتهديدات قانونية. العملية السياسية تُدار من خلال فرض شخصيات مقبولة خارجياً.
نماذج مشابهة يمكن رصدها في ليبيا والعراق وأفغانستان، وجزئياً في لبنان، حيث تظل الدولة عضواً في الأمم المتحدة لكنها تعمل ضمن حدود يرسمها فاعلون خارجيون. إنها حالة قابلية إقليمية للإدارة، يكون فيها الاستقلال شكلاً بلا مضمون.
البعد التكنولوجي والعقيدة الاستخبارية الجديدة.
أحد أهم ملامح العملية كان الاعتماد على منظومة استخبارية متعددة المستويات، قائمة على المراقبة الدائمة في الزمن الحقيقي. استخدام الطائرات الشبحية المسيّرة، والتحليل الفضائي، والمصادر الداخلية، أتاح تنفيذ نموذج عملية بلا مسرح حرب تقليدي.
جوهر هذا التحول يكمن في الانتقال من الحروب الكلاسيكية إلى عمليات معرفية استخبارية، حيث لا تحسم المعركة بعدد الجنود، بل بفارق المعلومات. العملية في فنزويلا تؤكد أن القرن الحادي والعشرين دخل مرحلة اقتحام هجين لكيانات الدول، يصبح فيها بالإمكان تعطيل رأس السلطة خلال ساعات، من دون معارك واسعة.
في أدبيات مؤسسة RAND يوصف هذا النموذج بضربة قطع الرأس، أي الإطاحة السريعة بقيادة النظام بأقل كلفة وأعلى أثر إعلامي. هذا النهج يعيد تعريف مفهوم الحرب نفسه، إذ لم يعد الصراع يُحسم في الميدان، بل في فضاء الإدراك، والثقة، وولاءات النخب.
الحالة الفنزويلية كاختبار للنظام العالمي للمعايير.
تتجاوز تداعيات العملية حدود أميركا اللاتينية بكثير. بالنسبة للنظام الدولي، ما جرى يشكل اختباراً مصيرياً لقدرة مبدأ السيادة على الصمود، ذلك المبدأ الذي تبلور منذ صلح وستفاليا عام 1648 وتكرّس لاحقاً في ميثاق الأمم المتحدة.
إذا كان اختطاف رئيس دولة ذات سيادة وهو في منصبه، من دون تفويض من المؤسسات الدولية، لا يترتب عليه أي شكل من أشكال العقاب، فإن البنية المعيارية التي قام عليها عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية تتحول إلى بناء مشروط وقابل للتفكك.
دلالة ذلك تظهر بوضوح في طبيعة ردود الفعل الدولية.
الاتحاد الأوروبي عبّر عن «القلق» ودعا إلى «التهدئة».
الصين اكتفت بالدعوة إلى «الحفاظ على الاستقرار».
روسيا أصدرت احتجاجاً سياسياً من دون خطوات عملية.
الأمم المتحدة عجزت عن إصدار قرار بسبب موقف الولايات المتحدة.
بهذا المعنى، خلقت العملية سابقة إفلات من العقاب، تفتح، بحسب توصيف خبراء مؤسسة بروكينغز، مرحلة «ما بعد السيادة العالمية»، حيث تتراجع الدولة الإقليمية لصالح مناطق نفوذ تديرها قوى كبرى.
الأثر النفسي والرمزي.
في جغرافيا السياسة القائمة على الإدراك، لا تقل الصورة أهمية عن النتيجة. عملية «المطرقة منتصف الليل» صُممت بوصفها استعراضاً نفسياً للقدرة المطلقة الخاضعة للسيطرة. سرعتها ودقتها لا تهدفان فقط إلى تحقيق هدف عسكري، بل إلى ترسيخ رسالة ترامب الجوهرية: «أميركا عادت عظيمة لأنها عادت مخيفة».
هذه الرسالة موجهة إلى الخارج بقدر ما هي موجهة إلى الداخل، لإعادة بناء الثقة الوطنية التي تآكلت بفعل إخفاقات العراق وأفغانستان. داخلياً، تؤدي العملية وظيفة ثأر رمزي من مرحلة «تراجع التفوق»، وتعيد إلى المجتمع الأميركي إحساساً بالتفوق التكنولوجي والقيادي.
وفي الوقت نفسه، تُنتج أثراً ردعياً موجهاً إلى الخصوم المحتملين، رسالة مفادها أن لا الصين ولا إيران ولا كوريا الشمالية يمكنها اعتبار نفسها بمنأى عن الوصول الأميركي.
النتائج الإقليمية: التشكيلة ما بعد التشافيزية.
على المدى القريب، ستواجه فنزويلا تنافساً بين ثلاثة مراكز قوى، عسكري يتمثل بكابييو وبادرينو، إداري مدني تقوده رودريغيز، ومعارضة سياسية تتزعمها ماتشادو.
السيناريو الأرجح هو انتقال مضبوط، تسمح فيه الولايات المتحدة باستمرار الإدارة العسكرية مقابل الولاء والتعاون. هذا النموذج يذكّر بالانتقال المصري عام 2013، حين أطاح الجيش بالرئيس مرسي لكنه أبقى على الهياكل الأساسية للدولة.
أما على المدى البعيد، فقد تتحول فنزويلا إلى ساحة اختبار لإدارة أميركية نيوقَولونيالية جديدة، تحافظ على واجهة ديمقراطية، لكنها تفرض سيطرة كاملة على المال والطاقة.
كاراكاس تحت القمر المكتمل.
سكان كاراكاس الذين شاهدوا مروحيات MH-47 Chinook الأميركية تهبط تحت سماء ليلية مضاءة بقمر كامل، يروون أن الأجواء كانت تهتز، والهواء يرتجف، وأن شفرات المروحيات كانت منخفضة إلى حد أن الرياح كانت تقتلع الغسيل من فوق الأسطح. كانت تحلق ببطء فوق المدينة، من دون محاولة إخفاء، لا لأنها عاجزة عن التخفي، بل لأنها لم تعد بحاجة إليه.
لم تطلق أي بطارية دفاع جوي النار، ولم يرفع أي طاقم صاروخاً. خمسة آلاف صاروخ «إيغلا» المحمولة التي تباهى بها مادورو أمام الكاميرات تحولت إلى ديكور متحفي. لم يُطلق رصاص واحد. لم يقاوم أحد. كاراكاس رفعت رأسها إلى السماء مسحورة، كجمهور يشاهد العرض الأول لفيلم أميركي ضخم، صُوّر في مكان بعيد، لكنه هذه المرة يُعرض بممثلين أحياء.
بعد دقائق، هبطت إحدى المروحيات داخل قاعدة «فويرتي تيونا» العسكرية، حيث كان رئيس فنزويلا نائماً. لم يُمنح حتى فرصة ارتداء حذائه. أُخرج نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس من سريرهما، أُجلسا في المروحية، وبعد عشرين دقيقة كانا على متن سفينة إنزال أميركية متجهة إلى نيويورك. كل ذلك من دون صراخ، من دون بطولة، من دون دم. كما يقول التعبير الشعبي: لا شيء يُذكر.
هكذا انتهت مرحلة الثورة البوليفارية، لا على المتاريس، بل في غرفة نوم، حيث لم يسمع الرئيس، سائق الحافلة السابق، حتى صوت اعتقاله. لم يكن في البيت فوج حراسة، ولا رجال أوفياء، ولا أحد. فقط صمت، و«أصدقاء» كانوا قد بايعوا منذ زمن من يدفع أكثر. جرى تسليمه بهدوء، بدقة، بلا دماء.
بعد ساعتين، خرج وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز داعياً إلى الهدوء. لكن الشارع لم يكن غاضباً أصلاً. كاراكاس استقبلت الفجر بلا حزن وبلا غضب. المشهد بدا وكأن البلاد وافقت منذ زمن على ما جرى، ولم تكن تنتظر سوى أن يطفئ أحدهم الضوء.
محللون في لندن بدأوا ينسجون سيناريوهات عن جنرال قد تضعه واشنطن في الواجهة، أحد أولئك الذين فتحوا الأبواب. وهذا أقرب إلى خطة منه إلى فرضية. ففنزويلا، بلد الواقعية السحرية، حيث تلاشت الحدود بين الخيال والفعل منذ زمن. كما عند غابرييل غارسيا ماركيز، كل شيء ممكن، حتى اعتقال رئيس تحت قمر مكتمل من دون طلقة واحدة.
من يحكم اليوم بلداً من ثلاثين مليون نسمة. شكلياً، ديلسي رودريغيز، نائبة الرئيس، المرأة المعروفة ببرود أعصابها وقدرتها على الاختفاء في اللحظة المناسبة. يقال إنها في موسكو، رغم نفي الخارجية الروسية. لكن من يهتم بالجغرافيا الآن، في زمن لم تعد فيه فنزويلا مكاناً، بل حبكة في عملية صاغها آخرون.
في كاراكاس، يواصل ديوسدادو كابييو استعراضه، ويقسم وزير الدفاع بالولاء للثورة، فيما تفعل القيادة العسكرية ما تتقنه أكثر من أي شيء آخر: الحفاظ على نفسها. الجميع باقون. كل شيء يستمر كما كان. الجنرالات في التهريب، النفط تحت إدارة جديدة، الكوكايين في مساراته القديمة، الأميركيون في قطاع الطاقة، العسكر في الأعمال، والشعب في النسيان.
أما نيكولاس مادورو، سائق الحافلة السابق، فسيستمع الآن إلى صمت زنزانته في أحد سجون مانهاتن، وربما لا يزال ينتظر أن يزوره هوغو تشافيز في هيئة تلك العصفورة التي كان يحدث الناس عنها ذات يوم بإيمان طفولي. لكن العصفورة لن تأتي. حتى الطيور تغادر البلدان التي لم تعد تسمع فيها أصوات المدافع.
هكذا انتهت واحدة من أكثر المراحل ضجيجاً في تاريخ أميركا اللاتينية، بلا طلقات، بلا دراما، بلا نشيد. ببساطة، أُطفئ الضوء.