كيف تعكس هذه التركيبة المتناقضة من مظاهر انفتاح شكلي وتشدد قمعي متصاعد في إيران عام 2025 عملية إعادة هندسة استراتيجية تقوم بها الجمهورية الإسلامية، هدفها الأساسي تحصين النظام من الداخل وضمان بقائه في ظل أزمة شرعية بنيوية، وعزلة دولية خانقة، وضغوط خارجية متزايدة.
عملياً، تضاعف عدد أحكام الإعدام المنفذة في إيران خلال عام 2025 مقارنة بالعام السابق. هذا ما أعلنته منظمة حقوق الإنسان الإيرانية. ووفقاً لتقاريرها، تمكنت المنظمة حتى مطلع ديسمبر من توثيق ما لا يقل عن 1500 عملية إعدام. غير أن الرقم الحقيقي، كما تؤكد، قد يكون أعلى بكثير، إذ تواصل السلطات الإيرانية تقليدها القديم بعدم نشر إحصاءات رسمية، بينما يُنفذ جزء من الأحكام بعيداً عن أي إعلان علني.
للمقارنة، سجلت المنظمة نفسها 975 عملية إعدام في عام 2024. وكان هذا الرقم مثيراً للقلق آنذاك، إلا أن منحنى عام 2025 يشير إلى انتقال واضح نحو مستوى جديد نوعياً من الممارسة القمعية.
تحليل المنظمة يكشف عن نمو منهجي ومتسارع في عدد أحكام الإعدام، وهي استنتاجات تتقاطع مع تقييمات منظمات حقوقية دولية أخرى، تؤكد بدورها حدوث تشدد حاد في سياسة العقاب التي تنتهجها طهران.
في المقابل، تواصل السلطات الإيرانية الدفاع عن عقوبة الإعدام، مدعية أنها لا تُستخدم إلا في حالات “الجرائم الأشد خطورة”. لكن الواقع العملي يرسم صورة مختلفة تماماً، حيث يتضح أن اللجوء إلى العقوبة القصوى أوسع بكثير، ويحمل في طياته دوافع سياسية واضحة.
تشير بيانات حقوقية إلى أن عام 2022 شكّل نقطة التحول، بالتزامن مع الاحتجاجات الواسعة ضد قمع النساء ورد الدولة العنيف على التعبئة الشعبية. ففي ذلك العام أُعدم 520 شخصاً، ثم قفز الرقم في 2023 إلى 832. ومنذ ذلك الحين، لم يعرف المنحنى أي توقف يُذكر.
سُجلت بالفعل أحكام إعدام في قضايا ذات حساسية سياسية، مثل التجسس أو المشاركة في الاحتجاجات أو “تهديد أمن الدولة”. ومع ذلك، يلفت الحقوقيون إلى أن نحو 99 في المئة من عمليات الإعدام ما تزال تتعلق بجرائم جنائية، خاصة القتل وقضايا المخدرات. ثبات هذه النسبة لا يقلل من خطورة الظاهرة، بل يسلط الضوء على اتساع نطاقها.
ناشطون سياسيون إيرانيون يشيرون إلى نمط متكرر: كلما شعر النظام الحاكم بتهديد لاستقراره، ارتفع عدد أحكام الإعدام بشكل حاد. في هذا السياق، لم تعد العقوبة القصوى تُقرأ كأداة للعدالة، بل كوسيلة للترهيب واستعراض القوة.
السياق البنيوي: أوتوقراطية متكيفة وآلية “الليبرالية المُدارة”.
دخلت إيران عام 2025 وهي تعيش تناقضاً بنيوياً واضحاً. في الواجهة، تبرز مؤشرات تخفيف: تراجع الرقابة على الحجاب، “تفكيك جزئي” لتجريم السلوكيات اليومية، ومساحة أوسع نسبياً للتسامح الثقافي. في العمق، يتجلى تضاعف شبه كامل في عدد الإعدامات، واعتقالات جماعية بتهم التجسس، وموجة جديدة من الضبط الأيديولوجي.
من منظور النظرية السياسية، تبدو هذه الصيغة مألوفة في أنظمة الاستبداد التكيفي، حيث تُستخدم دورات من “التحرر المُدار” لا بهدف الإصلاح، بل لتفريغ الضغط الاجتماعي المتراكم دون المساس بجوهر السلطة.
في الحالة الإيرانية، يتم هذا “التنفيس” عبر التحكم في أنماط السلوك، لا في بنية الحكم. تعليق تطبيق قانون الحجاب، مثلاً، لا يرافقه أي تعديل تشريعي حقيقي. البرلمان لا يلغي القانون، بل تتوقف الشرطة مؤقتاً عن تطبيقه. هذا ليس إصلاحاً، بل إعادة توزيع تكتيكية لأدوات القمع: تخفيف ما هو مرئي، وتشديد ما هو غير مرئي، أي القضاء وأجهزة العقاب.
الإعدام كأداة للانضباط البنيوي.
بحسب بيانات حقوقية، نُفذ في إيران خلال عام 2025 ما لا يقل عن 1922 حكم إعدام، أي بزيادة تقارب 97 في المئة مقارنة بعام 2024، وبمعدل يقارب ثلاثة أضعاف متوسط فترة حكم حسن روحاني. ووفق المؤشرات النسبية، تصدرت إيران العالم من حيث عدد الإعدامات قياساً بعدد السكان، متقدمة حتى على الصين والسعودية.
هذا التصاعد لا يمكن تفسيره بمنطق قانوني صرف. فطالما أن الغالبية الساحقة من الأحكام تتعلق بجرائم جنائية، فإن وظيفة الإعدام هنا تتجاوز قمع المعارضة، لتتحول إلى آلية استعراضية لترسيخ النظام والانضباط العام.
هذه الوظيفة وُصفت بدقة في أدبيات “الاستبداد الانضباطي”، حيث يُستخدم عقاب الفئات الدنيا لترميم الشعور بالسيطرة الأخلاقية وشرعية الدولة، خصوصاً في فترات الانكماش الاقتصادي.
الرئيس الإصلاحي مسعود بزشكيان لم يتمكن من كبح هذا المسار، لأن منظومة العدالة الجنائية في إيران تخضع مباشرة للسلطة القضائية والحرس الثوري. وهكذا، حتى مع خطاب سياسي أكثر ليونة، يبقى جوهر الإكراه صلباً بلا تغيير.
الإعدام كمؤشر على خوف النظام.
التجربة التاريخية للجمهورية الإسلامية تكشف علاقة ثابتة: كل ذروة في أعداد الإعدامات تزامنت مع أزمة سياسية عميقة وتآكل في شرعية الحكم. الإعدام هنا ليس مجرد إجراء قانوني، بل أداة تواصل سياسي، لغة سلطوية تخاطب المجتمع حين تفشل باقي أشكال الخطاب.
الطفرة الأولى جاءت عام 1988، بعد انتهاء الحرب مع العراق. بلد منهك، اقتصاد محطم، ومجتمع فاقد للمعنويات. لم تجلب “النهاية المنتصرة” شعوراً بالنصر، بل فجّرت صراعات داخلية حادة. في هذا المناخ، شُنت حملة إعدامات جماعية بحق سجناء سياسيين من شيوعيين وأكراد وأنصار “مجاهدي خلق”، قُدر عدد ضحاياها بين أربعة وخمسة آلاف خلال أشهر قليلة. كانت تلك الإعدامات ذات طابع ديني-سياسي، هدفها فرض تفوق أخلاقي قسري للنظام عبر الدم.
الموجة الثانية جاءت عام 2009 مع “الحركة الخضراء”، حين خرج مئات الآلاف احتجاجاً على نتائج الانتخابات الرئاسية. عاد الإعدام آنذاك أداة ردع: نُفذت أحكام بحق ناشطين ومدونين وطلاب وصحفيين تحت تهمة “محاربة الله”، في رسالة واضحة بأن أي تعبئة سياسية من الأسفل ستُقمع بلا رحمة.
ثم جاءت ذروة ثالثة في 2022–2023، بعد مقتل مهسا أميني والاحتجاجات النسوية الواسعة. بلغت الإعدامات أعلى مستوياتها منذ عقدين، واستُهدفت فئات شابة ونسائية ومناطق كردية وبلوشية، في حملة شاملة لإعادة فرض الهيبة عبر الرعب العلني.
من هنا، لا يعكس تصاعد الإعدامات في 2025 قوة النظام، بل قلقه العميق وإحساسه بفقدان السيطرة الأخلاقية. حين تفشل الأيديولوجيا في الإقناع، يُستدعى العنف ليملأ الفراغ. كل إعدام يتحول إلى فعل رمزي لتعبئة داخلية قسرية، وإلى تذكير بأن الدولة، رغم أزماتها، ما تزال تحتكر العنف.
المفارقة الأوضح تكمن في التزامن: تشدد قمعي متصاعد يقابله تليين شكلي في الحياة اليومية. في طهران والمدن الكبرى، تظهر نساء بلا حجاب، تخف الرقابة على الموسيقى واللباس، ويُمنح الشباب هامش أوسع في أنماط العيش. هذا ليس انفتاحاً، بل هندسة سياسية دقيقة تجمع بين الخوف والإغراء.
الخوف يشلّ المقاومة ويجبر الناس على التكيف في الظل. والإغراء يخلق وهماً بالاعتياد، ويخفف حدة السخط، ويوحي بأن النظام قابل للتغير. هكذا يعمل نمط مزدوج لإدارة الوعي، حيث الإعدام والتخفيف وجهان لآلية واحدة.
هذا التوازن بين الترهيب والتسكين سمة كلاسيكية للأنظمة السلطوية في مرحلة تآكل الشرعية. إنه لا يدل على قوة الدولة، بل يخفي إرهاقها وخوفها المتزايد من فقدان السيطرة. عندما يضطر النظام إلى إثبات قدرته على القتل بشكل متكرر، فذلك يعني ببساطة أنه لم يعد واثقاً من قدرته على الإقناع.
التآكل الاقتصادي كمصدر لزعزعة الاستقرار الاجتماعي.
وفقاً لبيانات صندوق النقد الدولي، بلغت نسبة التضخم في إيران بنهاية عام 2024 نحو 39 في المئة، فيما يُتوقع أن تقترب من 41 في المئة خلال عام 2025. في المقابل، تراجعت الدخول الحقيقية للسكان بأكثر من 25 في المئة خلال السنوات الخمس الماضية. أما البطالة الرسمية، المقدرة بنحو 9 في المئة، فهي تخفي وراءها بطالة بنيوية أعمق بين الشباب تتجاوز 23 في المئة.
يعمل الاقتصاد الإيراني ضمن منطق ما يُعرف بـ«اقتصاد المقاومة»، أي نموذج بقاء اكتفائي سلطوي يقوم على تقييد الاستيراد، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتبادل خارجي شبه مقايضاتي مع دائرة ضيقة من الشركاء مثل روسيا والصين وفنزويلا. غير أن هذا النموذج لا ينتج نمواً مستداماً، بل يراكم عجزاً في الثقة ويغذي تضخماً في التوقعات.
في هذا السياق، يصبح تصاعد الإعدامات وانتشار هوس التجسس نتيجة لا الخوف من الاحتجاجات فحسب، بل أيضاً محاولة لفرض الانضباط الاجتماعي في ظل غياب الحوافز الاقتصادية. في المجتمعات التي يتآكل فيها الإيمان بالمؤسسات، تعوّض السلطة نقص الشرعية بعرض متكرر للقسوة.
إيران بلا خوف: نساء وخمر وروك يهزّون محرمات الجمهورية الإسلامية.
تعيش طهران على حافة تحول داخلي، لا بفعل الثورات، بل نتيجة تآكل صامت ومتواصل للمحرمات. في الحياة اليومية الإيرانية، تتكرر مشاهد كان ظهورها قبل سنوات كفيلاً بإثارة الصدمة أو تدخل الشرطة فوراً. نساء شابات، واثقات بأنفسهن، لا يسعين إلى تحدي النظام علناً، لكنهن أيضاً لا يقبلن الخضوع غير المشروط، يخرجن إلى الشوارع بلا حجاب، يقدن السيارات، يستمعن إلى الموسيقى الصاخبة، ويجتمعن في حفلات سرية.
هذا ليس عصياناً جماعياً ولا انتفاضة. إنه تآكل تدريجي للخوف. الشارع الإيراني تغيّر بوتيرة أسرع من القوانين، والأجهزة الأمنية، التي كانت حتى وقت قريب مثالاً للانضباط الحديدي، تبدو وكأنها تتغاضى. الشرطة تتظاهر بعدم رؤية المخالفات، والمحاكم تتجنب القضايا الصاخبة. في بلد عوقب فيه أي خروج عن الشيفرة الإسلامية لعقود بشكل علني واستعراضي، يشكل هذا بحد ذاته ثورة بلا شعارات.
مصير قانون الحجاب أصبح رمزاً لهذه الازدواجية الجديدة. العام الماضي شدد البرلمان العقوبات على عدم ارتداء الحجاب، من غرامات وسجن وتسجيل أمني. لكن بعد وقت قصير من دخول القانون حيز التنفيذ، أمر الرئيس مسعود بزشكيان بتعليق تطبيقه، واصفاً إياه بأنه «غير عادل» و«يقوض الثقة بالسلطة». لم يكن القرار إلغاءً، لكنه بعث برسالة واضحة: النظام يشعر بالضغط من الأسفل ولم يعد قادراً على الحكم بالأساليب القديمة.
تقول طبيبة شابة من طهران: «لم أرتدِ الحجاب منذ ستة أشهر. في العيادة الجميع يفعل ذلك. في البداية كنا نخاف، ثم اعتدنا. كأن السلطة فقدت أنفاسها». كلماتها تختصر مزاجاً عاماً ينتشر في البلاد: الناس يعيشون بين القانون والواقع، في مساحة رمادية قد يكون كل يوم فيها بداية حرية أو نهايتها.
التحول لا يقتصر على الرموز الخارجية. خلال الأشهر الأخيرة، اجتاحت البلاد موجة فضائح تتعلق بحفلات خاصة، وحانات سرية، وحفلات موسيقية. في سبتمبر أعلنت السلطات إغلاق مطعم في أحد متنزهات طهران لأنه «كان يقدم الكحول وتقام فيه رقصات». قبل سنوات، كان ذلك كفيلاً بعقوبات قاسية من جلد وسجن وتشويه علني. اليوم اقتصر الأمر على إغلاق إداري وتوبيخ للشرطة.
هذه الحادثة عكست تغيراً في فهم الخطيئة والعقاب. النظام لم يعد مستعداً لاستخدام العنف ضد من يختار نمط حياة مختلفاً. حتى قائد الشرطة، المعروف بتشدده، تحدث أخيراً عن «الحفاظ على الأخلاق» من دون «قسوة مفرطة».
في شوارع طهران يظهر موسيقيون جوالون، تتردد أصداء الغيتارات الغربية في الأزقة، ويرقص الشباب في مواقف السيارات والأنفاق. موسيقى الروك المحظورة لم تعد استثناءً، بل جزءاً من المشهد الحضري. الإنترنت يعج بمقاطع لفتيات يغنين ويضحكن بلا حجاب، وتحصد هذه المقاطع ملايين المشاهدات من دون أن تحذفها الرقابة.
تقف إيران أمام مفترق تاريخي نادر. السلطة لا تزال تعلن تمسكها بالشريعة، لكنها عملياً تضطر للاعتراف بأن المعايير الاجتماعية تفككت ولم تعد كتلة صلبة. حتى أكثر التيارات تشدداً داخل النظام تدرك أن الحفاظ على السيطرة يتطلب السماح بدخول بعض الهواء.
في مجتمع كان الخوف يوماً إسمنت النظام، يولد شعور جديد: الاعتياد على الحرية. من دون هتافات ولا منابر ثورية، بل بقناعة هادئة بأن العودة إلى الوراء لم تعد ممكنة.
هوس التجسس كأداة للتعبئة الداخلية.
بعد حرب الأيام الاثني عشر مع إسرائيل والولايات المتحدة في يونيو 2025، دخلت إيران مرحلة جديدة من التعبئة الداخلية، قائمة لا على الأيديولوجيا بل على الخوف. الصراع، الذي اندلع إثر ضربات استهدفت منشآت للحرس الثوري ورد إيراني على بنى تحتية إسرائيلية، انتهى بهزيمة عسكرية، لكنه قُدم داخلياً بوصفه «مقاومة بطولية» ودليلاً على صلابة الجمهورية الإسلامية. ابتداءً من يوليو، انطلقت حملة واسعة وصفها محللون غربيون بأنها شكل من الشعبوية الاستخباراتية، أي هوس جماعي بالتجسس تستخدمه السلطة لبناء التماسك السياسي وإدارة المجتمع عبر خطاب «الحصار الشامل».
وفق الأرقام الرسمية، جرى اعتقال أكثر من 21 ألف شخص خلال ثلاثة أشهر بعد انتهاء الحرب بتهم تتعلق بالارتباط بأجهزة استخبارات أجنبية، من بينهم نحو 600 في طهران وأصفهان. شملت الاعتقالات أساتذة جامعات، ورجال أعمال، وصحفيين، وناشطين في منظمات غير حكومية، بل وحتى ضباطاً صغاراً في الحرس الثوري. وأعلنت السلطات تفكيك «أكبر شبكة تجسس في تاريخ الجمهورية الإسلامية»، رغم أن معظم الاتهامات استندت إلى شبهات لا إلى أدلة دامغة.
لم تكن هذه الموجة ذات طابع أمني صرف، بل حملت بعداً سياسياً ونفسياً واضحاً. فقد أدت هوس التجسس وظيفتين أساسيتين.
أولاً، أعادت تجميع المجتمع حول فكرة العدو الخارجي. بعد الهزيمة العسكرية، كان النظام يعاني فراغاً أيديولوجياً وتراكماً للإرهاق الشعبي بسبب العقوبات وتراجع الدخل والخطاب التعبوي الدائم. الحملة الاستخباراتية سمحت بتحويل الغضب العام: المسؤولية عن الإخفاقات أُلقيت على «عملاء أميركا وإسرائيل» في الداخل، لا على الحكومة. التلفزيون الرسمي بث على مدار الساعة اعترافات ومحاكمات استعراضية وأفلاماً وثائقية تُصوّر أطباء ومبرمجين وطلاباً كأدوات في «حرب نفسية غربية». هكذا أُعيد إنتاج مناخ القلعة المحاصرة، حيث يصبح الشك مرادفاً للخيانة.
ثانياً، منحت الحملة شرعية جديدة للقمع باعتباره شأناً من شؤون «الأمن القومي». بذريعة مكافحة التجسس، توسعت صلاحيات الأجهزة الأمنية، من الحرس الثوري إلى وزارة الاستخبارات واللجان الدينية. الاعتقالات، والاستجوابات، وتفتيش الهواتف، ومراقبة الإنترنت، ومتابعة شبكات التواصل باتت ممارسات يومية. القمع الذي كان يُبرر سابقاً بالدين أو النظام السياسي، اكتسى الآن لباساً «علمياً» و«أمنياً». وظهر في الخطاب الرسمي مصطلح «الاستخبارات الثقافية»، أي مراقبة الحقول التعليمية والإعلامية والإنسانية.
في نظريات الاتصال الاستراتيجي، يُوصف هذا المسار بـ«أمننة السردية»، حين تتحول التهديدات إلى أداة لإدارة الإدراك. الدول التي تعتمد هذا النهج لا تعكس الواقع بقدر ما تعيد إنتاجه، محددة ما يُعد آمناً أو خيانة. بالنسبة لطهران، كان ذلك محاولة لإعادة تشغيل السيطرة الأيديولوجية بعد تآكل الخطاب الثوري.
لكن إدارة الخوف لها حدود. بحلول خريف 2025، بدأت تظهر مؤشرات على أن الإفراط في هذا النهج أتى بنتائج عكسية. تقارير داخلية تحدثت عن أخطاء جماعية واتهامات باطلة واعتقالات تعسفية. أُوقف أشخاص بسبب تعليقات في تطبيقات المراسلة، أو علاقات أكاديمية خارجية، أو مشاركات في مؤتمرات، أو حتى بسبب «صياغات غير وطنية» في أبحاث علمية. في الجامعات، ساد مناخ من الشك المتبادل: الطلاب يخشون المخبرين، الأساتذة يتوجسون من زملائهم، والمسؤولون يرتابون من مرؤوسيهم.
هكذا تشكل في المجتمع ما يمكن تسميته «متلازمة العدو الداخلي»، حالة شك مزمن تفقد فيها الدولة قدرتها على التمييز بين الخطر الخارجي والاختلاف الداخلي. في الأنظمة السلطوية المتأخرة، يعد هذا عرضاً لتدهور القدرة على الحكم، حين تبدأ السلطة بمحاربة ظل خوفها لا أعداءها الحقيقيين.
بجعل الخوف أداتها الاجتماعية الأساسية، قوّضت السلطة الإيرانية الثقة، وهي المورد الأهم للبقاء تحت وطأة العقوبات والضغوط الخارجية. الشعبوية الاستخباراتية عززت السيطرة مؤقتاً، لكنها استراتيجياً مزقت النسيج الاجتماعي. بدلاً من التعبئة، أنتجت عزلة. وبدلاً من التضامن، زرعت الريبة. ومهما حاولت طهران تحويل التهديدات إلى رمز للصمود الوطني، فإن ما يجري في الداخل لم يعد تعبئة، بل تفككاً ذاتياً لنظام تحولت فيه «الأمنية» إلى شكل جديد من الحرب الداخلية.
الإفلاس المائي كمحور جديد لعدم الاستقرار.
يتصدر المشهد الإيراني اليوم تهديد بنيوي لا يمكن تحييده بالأيديولوجيا، ولا احتواؤه بالدعاية، ولا قمعه بالقوة، وهو أزمة المياه. المسألة ليست كارثة طبيعية عابرة ولا نتيجة مؤقتة للجفاف، بل نزيف منهجي يضرب جسد الدولة في عمقه، وتفكك بطيء لكنه شبه irreversible لأساسها الطبيعي والاقتصادي. وفق تقديرات معهد موارد المياه التابع للأمم المتحدة، دخلت إيران بالفعل مرحلة ما يُعرف بـ«الإفلاس الهيدرولوجي»، أي الحالة التي يصبح فيها حجم المياه المتاحة أقل بشكل دائم من حجم الاستهلاك، مع عجز الموارد الداخلية عن التعويض الطبيعي.
الخاصية الأخطر في أزمة المياه الإيرانية هي طابعها البشري. أكثر من 90 في المئة من الاستهلاك المائي يذهب إلى الزراعة، التي ما تزال قائمة على نموذج قديم وغير عقلاني. الإنتاج الزراعي الإيراني يعتمد على ري محاصيل شديدة الاستهلاك للمياه مثل الأرز وقصب السكر والبطيخ والشاي. هذه المحاصيل كانت يوماً رمزاً للاكتفاء الذاتي، لكنها تحولت اليوم إلى أداة تدمير بيئي ذاتي. الحفر الواسع للآبار، والسحب غير المنضبط للمياه الجوفية، وانهيار أنظمة القنوات التقليدية التي تعود جذورها إلى العهد الأخميني، أدت إلى انخفاض كارثي في منسوب المياه الجوفية وتصحر أقاليم كانت خصبة.
منذ مطلع العقد الحالي، يتزايد العجز السنوي في الموارد المائية بنسبة تتراوح بين 7 و10 في المئة. ووفق تقديرات البنك الدولي، ستنخفض حصة الفرد من المياه بحلول عام 2030 إلى ما دون العتبة الحرجة، أي أقل من 500 متر مكعب سنوياً. هذا هو خط الفقر المائي الفيزيائي، الذي تفقد بعده الدولة قدرتها على تأمين السكان والإنتاج من دون مصادر خارجية. حالياً، لا يتجاوز المتوسط نحو ألف متر مكعب للفرد، وهو رقم يتراجع عاماً بعد عام. في الوقت نفسه، تتجاوز خسائر المياه بسبب البنية التحتية المتهالكة والتبخر والتسرب في شبكات الري 30 في المئة.
تداعيات هذا المسار متعددة الطبقات. في أطراف البلاد، ولا سيما في سيستان وبلوشستان وخوزستان ويزد، تحولت المياه من مورد للحياة إلى عامل صدام اجتماعي. هناك اندلعت أولى «احتجاجات المياه»، التي بدأت كمطالب فلاحية محلية ثم تحولت سريعاً إلى احتجاجات سياسية ضد المركز. بالنسبة للسلطة، تكمن خطورة هذه الاحتجاجات في أنها لا تنطلق من شعارات أيديولوجية، بل من أساس العيش نفسه، وهو ما لا يمكن تعويضه بالوعود ولا تهدئته بالدعاية. عندما وصلت اضطرابات الإمداد المائي في عامي 2024 و2025 إلى طهران، خرجت الأزمة من الهامش. العاصمة، التي تضم أكثر من 15 مليون نسمة، واجهت انقطاعات مائية شكلت صدمة نفسية حادة للطبقة الوسطى. في ظل التضخم المرتفع وتآكل الدخول وانهيار قيمة الريال، أصبح غياب الخدمات الأساسية شرارة محتملة لانفجارات اجتماعية.
داخل النظام، هناك وعي بعمق الأزمة، لكن الاعتراف العلني بها يعني الإقرار بفشل البنية الأيديولوجية للجمهورية الإسلامية. منذ العقد الماضي، تستند السلطة إلى عقيدة «اقتصاد المقاومة»، القائمة على الاكتفاء الذاتي والاستقلال عن الأسواق الخارجية. في هذا الإطار، غدا القطاع الزراعي رمزاً للسيادة الوطنية. إنتاج الأرز أو قصب السكر محلياً كان يُقدَّم دليلاً على الاستقلال عن الغرب. الاعتراف بأن هذا النموذج انهار بسبب نقص المياه يعني نسف أسطورة السيادة الاقتصادية.
لهذا، لا يمكن التعامل مع أزمة المياه في إيران بوصفها مشكلة بيئية أو تقنية فحسب. إنها تهديد وجودي لشرعية النظام. عندما تتحول المياه إلى موضوع ضبط سياسي، تفقد الدولة قدرتها على إدارة المجتمع بالأدوات التقليدية، من أيديولوجيا ودين وخوف. الماء لا يخضع للأوامر، ولا يستجيب للقمع، ولا يمكن إلغاؤه بالدعاية. يصبح فئة جديدة من المخاطر السياسية، حيث يتحول خلل البنية التحتية إلى أزمة سلطة.
إذا كانت أيديولوجيا الجمهورية الإسلامية قد بُنيت لعقود على فكرة الصمود والاستقلال، فإن أزمة المياه تكشف العكس تماماً. النظام عجز عن حماية أبسط موارد بلاده. الأزمة لا تدمّر الاقتصاد فحسب، بل تضرب الأساس الرمزي للدولة، مظهرة أن حتى الثيوقراطية عاجزة عن التحكم بالطبيعة. بهذا المعنى، يتحول شح المياه إلى مرآة لاستنزاف سياسي عميق، ودليل على أن عقيدة الاستقلال انتهت إلى تبعية قاسية للمناخ والزمن وأخطاء الإدارة الذاتية.
إصلاحية بلا إصلاحات: مفارقة بزشكيان.
شكل انتخاب مسعود بزشكيان صيف 2024 لحظة أمل عابرة بإمكانية التغيير الداخلي. بعد عقود من الجمود الأيديولوجي والحكم القمعي، ساد اعتقاد بأن رئيساً معتدلاً قد يخفف القبضة الداخلية ويعيد فتح قنوات الحوار مع المجتمع. صورته كطبيب ومثقف وإنساني ذكّرت بمرحلة حسن روحاني، بكل ما حملته من آمال الانفتاح و«الإصلاح بلا ثورة». لكن سرعان ما اتضح أن هندسة السلطة في الجمهورية الإسلامية لا تسمح بإصلاحات مؤسساتية، وأن الرئاسة في طهران ليست مركز قرار، بل أداة تنفيذ بيروقراطية.
الرئيس في إيران شخصية إدارية لا بنيوية. دستورياً يدير، لكنه لا يخطط. المرشد الأعلى يحتفظ بالسيطرة الكاملة على القضاء والأجهزة الأمنية والحرس الثوري ومجالس الرقابة. في هذا الإطار، لا يستطيع الرئيس تغيير قواعد اللعبة، بل فقط تعديل طريقة تطبيقها. بزشكيان يعمل ضمن نموذج «الإصلاح المحصور»، حيث تُقاس كل خطوة بدقة. سياسته ليست إعادة بناء، بل تكييف تجميلي للنظام.
هذا الإصلاح المُدار أداة قديمة لبقاء الجمهورية الإسلامية. كلما تعب المجتمع من الضغط، تُدفع إلى الواجهة شخصية بنبرة ناعمة وخطاب إنساني لتخفيف الاحتقان ومنح وهم الحوار. لكنها تبقى خاضعة تماماً لنواة السلطة الدينية-الأمنية. أي محاولة لتجاوز الخطوط المرسومة تستدعي فوراً رد الفعل، من تشديد الرقابة إلى الاعتقالات وموجات الإعدام وإغلاق المنصات الإعلامية.
الدلالة الأوضح أن الانفتاح المؤقت في اللباس والسلوك تزامن مع أعلى تصاعد في الإعدامات منذ عقود. النساء حصلن على هامش أوسع في مسألة الحجاب، والمقاهي المختلطة عادت في المدن الكبرى، وشرطة الأخلاق خففت حضورها. في الوقت ذاته، امتلأت السجون بأحكام إعدام جديدة، وتسارعت وتيرة القضاء. هذا ليس تناقضاً عرضياً، بل منطق النظام ذاته. كل تخفيف يُعوض بتشديد. الليبرالية والعنف يتحركان معاً في توازن تعويضي يحافظ على مستوى الخوف ثابتاً.
هذا التوازن بين النعومة والقسوة سمة أنظمة تعيش ركوداً في الشرعية. وفق التصنيفات الدولية، تنتمي إيران اليوم إلى فئة الأنظمة الهجينة المتدهورة، حيث تبقى المؤسسات الشكلية قائمة، بينما يُصنع القرار الحقيقي داخل دائرة مغلقة من النخبة الدينية-الأمنية. في مثل هذه البيئات، تُعد حتى الإصلاحات المحدودة تهديداً، لأن أي تنازل يُقرأ كضعف.
بزشكيان وجد نفسه رمزاً بلا أدوات. خطابه عن «علاج المجتمع لا معاقبته» يتناقض مع واقع شهد في عهده إعدامات جماعية وتشديداً للقمع في الأقاليم ضد البلوش والأكراد والبهائيين. عملياً، تحول إلى صمام أمان سياسي، يمتص الغضب الشعبي ويبدد توقعات التغيير.
وهكذا، لم تكن «مرحلة بزشكيان» انعطافاً إصلاحياً، بل كشفاً لحدود المسموح به. نظام قائم على الخوف وتقديس السلطة عاجز عن تجديد نفسه. كل محاولة لتخفيف الضغط تستدعي انفجاراً مقابلاً من العنف، كرد فعل قلعة محاصرة. لذلك، لا يتناقض تصاعد الإعدامات مع تليين الرقابة الأخلاقية، بل يكملها. إنهما عنصران مترابطان في نموذج واحد للبقاء. إيران اليوم تعيش مفارقة مؤسسية عميقة، بين إنسانية الخطاب ووحشية الممارسة، وبين وهم الإصلاح وغيابه التام في الجوهر.
تحليل سيناريوهات: ثلاث مسارات محتملة لمستقبل إيران.
تقف إيران اليوم عند مفترق استراتيجي حاسم. ففي عام 2025، تبدو الجمهورية الإسلامية ككائن معقّد متعدد الطبقات، يتأرجح بين قصور الأيديولوجيا، وتآكل المؤسسات، والحاجة القسرية للتكيّف مع تحديات خارجية جديدة. التناقضات الداخلية، من الركود الاقتصادي وشح المياه، إلى تآكل السلطة الأخلاقية للنظام، خلقت وضعاً يجعل أي حركة إلى الأمام مشروطة إما بتشديد السيطرة، أو بإعادة بناء داخلية عميقة. تحليلياً، يمكن رسم ثلاث مسارات محتملة للتطور: ركود مُدار، انهيار داخلي، أو تحوّل قسري.
1. سيناريو الركود المُدار (الأساسي، احتمال يقارب 60%).
يُعد هذا السيناريو الأكثر ترجيحاً، لأنه يعكس الغريزة الطبيعية للنظام في الحفاظ على الوضع القائم وتقليص مخاطر التغيير الجذري. تواصل الجمهورية الإسلامية سياسة التنازلات التكتيكية في الحياة اليومية، بالتوازي مع تشديد القبضة السياسية. يعمل الجهاز القمعي في حالة تعبئة دائمة، بينما تؤدي المنظومة القضائية والأمنية دوراً أقرب إلى الإخضاع منه إلى العدالة.
اقتصادياً، تبقى البلاد عالقة في حالة ركود مزمن. العقوبات الغربية، والفساد، وسوء الإدارة، وهجرة الكفاءات تكبح أي إمكان للنمو. غير أن الدعم القادم من الصين وروسيا، عبر عقود الطاقة، والمشتريات العسكرية، والغطاء السياسي في المحافل الدولية، يمنح إيران حدّاً أدنى من الاستقرار المالي. تظل طهران مندمجة في المحور الأوراسي، مستفيدة من مسارات تجارة موازية وآليات التفاف على الدولار.
اجتماعياً، يسود المزاج العام طابع اللامبالاة. الخوف والإرهاق بعد موجات الاحتجاج السابقة يخمدان الرغبة في التغيير. ينسحب الشباب إلى دوائرهم الخاصة، فيما يحاول أبناء الطبقة الوسطى البقاء عبر مشاريع صغيرة، وتحويلات من الخارج، وشبكات دعم غير رسمية. النخبة تبقى متماسكة حول الأجهزة الأمنية والمؤسسة الدينية. النظام يظل فعالاً في الضبط، لا في الحكم. إنه ركود بلا انفجار، حيث يصبح الزمن ذاته أداة سلطة.
2. سيناريو الانهيار الداخلي (احتمال يقارب 25%).
قد يتحقق هذا السيناريو إذا تزامنت عدة أزمات داخلية: اقتصادية، وبيئية، وإدارية. إيران تعاني بالفعل من أزمات مائية خانقة، من جفاف بحيرة أورمية، إلى هبوط المياه الجوفية في الأقاليم الوسطى، وتدهور الزراعة. يتقاطع هذا مع تضخم يتجاوز 40 في المئة، وتراجع حاد في مستوى المعيشة.
الأقاليم الطرفية، مثل بلوشستان وخوزستان وكردستان، هي الأكثر هشاشة. التوترات الإثنية والدينية مرتفعة، ونفوذ المركز محدود. في ظل الانكماش الاقتصادي وتقليص الدعم، قد تنفجر احتجاجات محلية، أو أعمال تخريب، أو مواجهات مسلحة محدودة، ما يخلق حالة تفكك زاحف.
في هذا السيناريو، لا ينهار النظام دفعة واحدة، بل يتآكل ببطء، على غرار الاتحاد السوفييتي في سنواته الأخيرة: استقرار شكلي، شعارات طقسية، وولاء ظاهري، مقابل تفكك فعلي في البنية الإدارية. تفقد الوزارات قدرتها على العمل المتزامن، وتغرق آلية الحكم في صراعات داخلية. تنشغل الأجهزة الأمنية بالداخل، على حساب حماية الحدود. النتيجة هي تراجع الدور الجيوسياسي لإيران، وتزايد تبعيتها لحلفائها، وتآكل تدريجي لسيادتها. هنا، يأخذ الانهيار شكل التفكك لا الثورة، دولة بواجهة قائمة ومضمون متداعٍ.
3. سيناريو التحوّل القسري (احتمال يقارب 15%).
السيناريو الأقل احتمالاً، لكنه الأكثر إثارة استراتيجياً، يفترض أن تدفع الضغوط الخارجية والاستنزاف الداخلي إيران إلى إعادة تموضع براغماتية. تفاقم الأزمة الاقتصادية، وتراجع عائدات النفط، واحتمال جولة جديدة من الضربات الإسرائيلية أو الأميركية ضد البنية النووية، إلى جانب اشتداد المنافسة الإقليمية مع السعودية وتركيا، قد تجبر النخبة على البحث عن بديل للنموذج الحالي.
في هذه الحالة، قد تتجه البلاد نحو صيغة شبيهة بـ«النيوقطاوية»، أي الحفاظ على جوهر سلطوي مع فتح جزئي للاقتصاد وتحديث تكنولوجي. يتطلب هذا ظهور توافق تكنوقراطي جديد داخل النخبة، حيث يزيح البراغماتيون العقائديين. تحرير اقتصادي محدود، مدعوم باستثمارات صينية وتفاهمات مع روسيا، قد يسمح للنظام بالبقاء في صيغة جديدة، تجمع بين الأيديولوجيا والحسابات التجارية.
لكن الواقع الحالي لا يوفر لطهران لا الإرادة السياسية ولا الكادر البشري اللازم لمثل هذا التحول. القيادة الدينية تخشى فقدان السيطرة، والأجهزة الأمنية ترى في أي تحديث تهديداً لمكانتها. لذلك، لا يصبح هذا السيناريو ممكناً إلا في حال صدمة خارجية كبرى، كأزمة طاقة، أو هزيمة عسكرية، أو اضطرابات واسعة، حين يصبح تغيير النموذج شرطاً لبقاء النظام ذاته.
الخلاصة والتوصيات الاستراتيجية.
في عام 2025، لا تنسجم الحالة الإيرانية مع المعادلة التقليدية «تشدد مقابل ليبرالية». تصاعد أحكام الإعدام، إلى جانب مؤشرات تخفيف جزئي للقيود الحياتية، ليسا مسارين متعاكسين، بل وجهان لاستراتيجية واحدة تهدف إلى بقاء النظام. فالجمهورية الإسلامية تعيش مرحلة تستخدم فيها السلطة، تحت ضغط التحديات الاجتماعية والاقتصادية والخارجية المتراكمة، العنف والانفلات الأخلاقي المحسوب كأداتين متكاملتين لإدارة المجتمع.
بحسب منظمات حقوقية، تجاوز عدد الإعدامات في إيران خلال عام 2025 عتبة 1900 حالة، وهو رقم قياسي لم تشهده البلاد منذ عقود. في بعض الأشهر، سُجل تنفيذ ما يصل إلى ثلاثمئة حكم إعدام، شملت نساء وقاصرين. لم تقتصر العقوبة القصوى على المدانين بجرائم قتل أو تهريب مخدرات، بل طالت أيضاً معارضين سياسيين، ومشاركين في الاحتجاجات، وأفراداً من أقليات إثنية ودينية. منظومة العدالة بدورها تفتقر إلى الشفافية: أحكام سريعة، فرص استئناف شبه معدومة، وملفات تُبنى في كثير من الأحيان تحت ضغط الأجهزة الأمنية. هكذا تتحول الإعدام من إجراء قضائي إلى رسالة سياسية، ومن أداة قانونية إلى عرض للقوة واحتكار الخوف.
في الوقت نفسه، تظهر ملامح ليبرالية حياتية محدودة. في طهران ومدن كبرى أخرى، باتت مشاهد النساء بلا غطاء رأس أكثر شيوعاً، وتراجع التشدد في تطبيق قواعد الحجاب، فيما خف حضور دوريات «شرطة الأخلاق». بين الشباب، تتوسع مظاهر الثقافة الغربية، من الملابس إلى الموسيقى، ومن الجلوس المختلط في المقاهي إلى أنماط عيش أكثر تحرراً. تتغاضى السلطة عن ذلك عن قصد، لا بوصفه إصلاحاً، بل كتنازل تكتيكي. الهدف هو امتصاص الاحتقان الاجتماعي ومنع تكرار موجات احتجاج شبيهة بتلك التي اندلعت عقب مقتل مهسا أميني.
هذا الازدواج ليس تناقضاً، بل حساباً دقيقاً. النظام يوازن بين تشديد القمع في المجال السياسي، حيث تُستأصل المعارضة ويُخنق الاختلاف، وبين مرونة محسوبة في الشأن الشخصي والحياة الخاصة. بهذه الطريقة، يُوزَّع الضغط: خوف صارم حين يتعلق الأمر بالسلطة، ووهم حرية حين يتعلق الأمر بالشكل. إنها آلية تنفيس مدروسة، تكبح النشاط السياسي، لكنها تترك هامشاً للتكيف اليومي، فتخفض احتمالات الانفجار المفتوح.
غير أن هذه الاستراتيجية تحمل في جوهرها بذور التآكل الذاتي. حين يتحول العنف من أداة سياسية إلى بديل عنها، تبدأ بنية الحكم في التفكك. السلطة تكف عن معالجة المشكلات، وتكتفي بقمع أعراضها. الإصلاحات تُستبدل بالعقوبات، والمؤسسات يُعوّض عنها بالخوف. النتيجة هي نظام يفقد تدريجياً قدرته على التجدد والحوار. وعلى المستوى الخارجي، ينعكس ذلك في تراجع الوزن الجيوسياسي لإيران: كلما استُنزفت الموارد في الضبط الداخلي، تقلصت القدرة على التأثير خارج الحدود.
على المدى الطويل، هذه المعادلة مدمرة. القمع قد يفرض استقراراً مؤقتاً، لكنه يقوض الشرعية ويهدم الثقة بين الدولة والمجتمع. التخفيف الحياتي لا يعوض شعور الانسداد السياسي. إيران 2025 تعيش توازناً هشاً بين عنف مؤسسي ونسبية أخلاقية، بين الخوف وحرية ظاهرية. غير أن هذا التوازن غير قابل للاستدامة. فكلما ازداد اعتماد الدولة على الخوف، تسارعت عملية تآكل أسس سلطتها. نظام يجعل الإعدام بديلاً عن السياسة محكوم بأن يبدد طاقته في صراع مع شعبه، بدلاً من توجيهها نحو التنمية وبناء النفوذ في العالم الخارجي.